الرئيسية / ثقافة وأداب / كيف فسَّر البشر الوباء قديماً؟ هكذا اتّهم الأمريكيون ضحايا السل بأنهم مصاصو دماء
كيف فسَّر البشر الوباء قديماً؟ هكذا اتّهم الأمريكيون ضحايا السل بأنهم مصاصو دماء

كيف فسَّر البشر الوباء قديماً؟ هكذا اتّهم الأمريكيون ضحايا السل بأنهم مصاصو دماء

كيف كان الأمر قبل اكتشافنا أنواع الجراثيم والميكروبات المختلفة؟ كيف كنّا نُفسر أسباب إصابتنا أو إصابة المحيطين بنّا بالأمراض؟ يرصد التاريخ مثالاً للإجابة عن الأسئلة السابقة بالتفسير الذي صدّقه وآمن به سكان نيو إنغلاند، حين فسروا أن انتشار السل والإصابة به كانت بسبب مصاصي الدماء!

فخلال القرن التاسع عشر ضربت موجات من الرعب والهستيريا والخوف المرضي من مصاصي الدماء سكان ولاية نيو إنجلاند الأمريكية، وكان ذلك بسبب انتشار السل الذي أودى بحياة أسر بأكملها في ولايات رود آيلاند وكونيتيكت وفيرمونت وأجزاء أخرى من شمال شرق الولايات المتحدة الأمريكية.

بين عامي 1786، عندما بدأ المسؤولون عن الصحة في تسجيل معدلات الوفيات، و1800، تسبب المرض في وفاة 2% من سكان نيو إنجلاند، لم تكن حصيلة القتلى مرعبة فحسب، بل كانت أيضاً الإصابة بالمرض وسيلة مروعة للموت.

المصابون بمرض السل كانوا يفقدون أوزانهم، ويُعانون من سعال الدم، وطفح وبثور على الجلد، كان الأمر يبدو وكأنهم يموتون ببطء، كما لو كان هناك شيء ما يمتص منهم الحياة، خلال السطور التالية يُمكننا التعرّف سويّاً على اتهام سكان نيو إنجلاند لمصاصي الدماء بأنهم السبب في الإصابة بمرض السل.

قبل معرفة الجراثيم، في وقت لم يكن الأطباء قادرين على شرح كيفية انتشار بعض الأمراض المعدية، اعتقد القرويون اليائسون أن بعض أولئك الذين قضوا نحبهم بسبب مرض السل، كانوا يخدعون أفراد أسرهم الأحياء، ويخفون حقيقة أنهم من مصاصي الدماء.

ففي 19 مارس/آذار 1892، نشرت الصحيفة المسائية هيرالد شيناندواه بولاية بنسلفانيا الأمريكية قصة تصف ما أسمته بـ»الخرافة الرهيبة»، وهي قصة شاب يدعى إدوين براون يعيش في ولاية رود آيلاند، وقد كان يعاني من المرض لبعض الوقت، توفيت والدته وشقيقته الكبرى بسبب المرض نفسه، والمعروف الآن باسم مرض السل، سافر إدوين إلى كولورادو سبرينجز، وهي وجهة شهيرة بمناخها الجاف ومراكز علاج الأمراض المتخصصة، لكن صحته لم تتحسن، وبينما كان بعيداً، أصيبت شقيقته ميرسي أيضاً بالمرض وسرعان ما توفيت.

عندما عاد إدوين إلى المنزل بعد وفاة ميرسي، تدهورت صحته، وسيطر على والده اليائس اعتقاد قومي قديم، وهو عندما يُصاب أفراد من نفس العائلة بمرض شديد يؤدي إلى الوفاة، فيمكن أن يكون ذلك بسبب أن أحد المتوفين كان يستنزف قوة الحياة من أقاربه الأحياء.

في وجود طبيب وبعض الجيران، قام والد إدوين وميرسي باستخراج جثث كل فرد من أفراد الأسرة المتوفين بسبب المرض، وجد هياكل عظمية في قبري زوجته وابنته الكبرى، وعندما تم استخراج جثة ميرسي كانت المُفاجأة.

شاهد طبيب من القرية تشريح الجثة، وأوضح كيف أن الطقس البارد في نيو إنجلاند يُمكنه أن يُبقي جسدها محفوظاً، وأن الأمر ليس علامة على وجود شيء خارق للطبيعة، لكن سكان المدينة المذعورين لم يستمعوا، وأزالوا قلب ميرسي وأحرقوه على صخرة قريبة، لكن عملية استخراج الجثث والحرق لم تفعل شيئاً لمرض إدوين براون، فاستمر المرض وتوفي بعد شهرين.

المُفاجأة كانت أن جسم «ميرسي» تم الحفاظ عليه بشكل غريب، فعلى الرغم من وفاتها منذ عدّة أشهر، إلا أن الأمر بدا وكأن شعرها وأظافرها قد نما، وعندما تم ثقبها، كانت بشرتها الحساسة لا تزال تحتوي على قطرات من الدم، وقد أكدت هذه العلامات البارزة على شكوك القرويين.

قامت الصحف بعمل ربط سريع بين هذه الطقوس الشعبية وأساطير مصاصي الدماء، وخاصةً تلك الموجودة في أوروبا الشرقية، طُبعت قصص مصاصي الدماء في جميع أنحاء البلاد على الصفحات الأولى من صحف نيو إنجلاند في القرن التاسع عشر، ووصفت طقوساً مماثلة في مواقع بعيدة، فقد كان الناس في المناطق النائية من أوروبا، مثل سكان نيو إنجلاند، يستخرجون الجثث عند انتشار مرض ما ويحرقونها.

لم يعتقد الذين شاركوا في هذه الطقوس بالضرورة أن هناك سبباً خارقاً لمرض أفراد عائلاتهم، وكما كتب المؤلف والكاتب في التراث، مايكل إي بيل في كتابه «الغذاء من أجل الموتى«، على الرغم من أن البعض قد يكون لديهم معتقدات حول مصاصي الدماء، إلا أن الكثيرين كانوا ببساطة يائسين، وغير راغبين في ترك أي حل أو علاج قد ينقذ حياة أولئك الذين يحبونهم، حتى وإن كان هذا بطريقة غريبة أو بشعة.

استمر المواطنون المصابون بالذعر في الحفر واستخراج الجثث وأداء الطقوس التي تشتمل على حرق الأعضاء الداخلية للجسم لمنع حدوث الهجوم المستمر من مصاصي الدماء ووقف انتشار المرض، وقد كانت عمليات استخراج الجثث من براون في رود آيلاند، والمعروفة آنذاك باسم «عاصمة مصاصي الدماء»، مجرد واحدة من بين العشرات من عمليات استخراج الجثث المماثلة في جميع أنحاء نيو إنجلاند في ذلك الوقت.

الصورة المُتخيلة لـ»مصاصي الدماء» في نيو إنجلاند عبارة عن جثة لا يبدو أنها متحللة بالكامل؛ بها دماء جديدة، أي سائلة، في قلبها أو غيرها من الأعضاء الحيوية، مما يدل على أن الجثة كانت مأهولة بشيء من الشر الروحي، الذي كان يستنزف الحياة من أفراد الأسرة الحية، فقد اعتقد الناس أن العلاقة الروحية بين بعض مصاصي الدماء المشتبه بهم وأقاربهم الأحياء سمحت لهم بالوصول إلى ضحاياهم دون أن يتركوا قبورهم.

يذكر مايكل إي بيل في كتابه «الغذاء من أجل الموتى«، أن المُعتقد الشعبي باستخراج الجثث لوقف مصاصي الدماء عن إيذاء البشر قد أُدخل على نيو إنجلاند بواسطة المعالجين المسافرين إلى أوروبا الشرقية وألمانيا، والدليل على ذلك كان رسالة إلى بريد القراء نُشرت عام 1784 في إحدى الجرائد بولاية كونيتيكت، والتي اشتكى فيها أحد المسؤولين في البلدة من «طبيب دجال» أجنبي كان يروج لهذه الطقوس، وشجع رجلاً في البلدة لاستخراج جثث أولاده الاثنين.

بعد استخراج الجثث تختلف الطقوس حسب المنطقة، ففي أجزاء من ماساتشوستس وماين، كانت الجثث تُترك في العراء بعد استخراجها، أما في رود آيلاند وكونيتيكت وفيرمونت، فقد أحرق القرويون القلوب والكبد من جثث مصاصي الدماء المشتبه بهم.

في عام 1800 كانت نظرية الجراثيم في بدايتها وتحاول كسب المؤيدين من المجتمع الطبي، وقد ظل الأطباء يتجادلون حول أسباب مرض السل حتى عام 1895، وكان العلاج المتاح حينها هو مغادرة المدن الكبيرة مثل نيويورك وبوسطن، حيث تفشى المرض، إلى أماكن مثل باسادينا وكاليفورنيا وكولورادو سبرينجز، حيث كان من المفترض أن يساعد المناخ في التخفيف من الأعراض، وفي نهاية القرن التاسع عشر نجح عدد قليل من العلاجات الطبية في مساعدة بعض المرضى.

اليوم، يدرك معظم الناس أن مرض السل ينتشر عن طريق الهواء، من خلال تنفس البكتيريا التي يسعلها الأشخاص المصابون بالتهابات نشطة في رئتيهم أو حلقهم، وهناك لقاحات للعلاج، لكن ظلت خرافة مصاصي الدماء خالدة.

فقد نشر برام ستوكر، الذي ربما كانت هذه المخاوف بمثابة إلهام له، روايته، الأكثر شهرة على الإطلاق (دراكولا)،  عام 1897، ووصف شخصية مصاص الدماء بأنها كائن طيفي أو شبح يمتلك جسماً بشرياً، يترك القبر ليلاً لامتصاص الدم من الأحياء، الصورة التي وإن كانت مُختلفة عمّا كان يتصوره الناس إلا إنها خلّدت الفكرة وأبقتها دوماً حاضرة في الذاكرة.

المصدر

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فريق الآحرار نيوز

شاهد أيضاً

كيف فسَّر البشر الوباء قديماً؟ هكذا اتّهم الأمريكيون ضحايا السل بأنهم مصاصو دماء

«متحف البراءة» معرض للذكريات وقصص الحب المنسية، أين يقع وعلى ماذا يحتوي؟

إذا كنت قد قرأت رواية «متحف البراءة» للكاتب التركي أورهان باموك، يجب أن تكون زيارة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.