الرئيسية / تحقيقات ولقاءات / لماذا لا تكفي الإصلاحات الاقتصادية في مصر لإرضاء الشارع؟
لماذا لا تكفي الإصلاحات الاقتصادية في مصر لإرضاء الشارع؟

لماذا لا تكفي الإصلاحات الاقتصادية في مصر لإرضاء الشارع؟

في الوقت الذي تلفت العملية العسكرية التركية في سوريا والاحتجاجات
في العراق انتباه العالم، تتلاشى الأزمة في مصر بهدوء، لكن رغم ذلك تذكَّر ألا
تغمض عينيك عن مصر أبداً، حتى عندما تبدو الأوضاع هادئة، أو على الأقل نسبياً،
لصالح النقاط الساخنة الإقليمية الأخرى، بحسب تقرير لموقع Al-Monitor الأمريكي. 

رغم الإصلاحات الاقتصادية التي يحاول السيسي القيام بها وقعت
التظاهرات المناهضة للحكومة التي بدأت في 20 سبتمبر/أيلول إلى توقيف واحتجاز ما
يقرب من 2800 من المحتجين والطلاب والنشطاء والصحفيين
والمحامين، وهي أكبر حملة قمع منذ تولي الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي السلطة عام
2014. 

رغم اختلاف الأسباب، تظهر بعض أوجه التشابه بين مصر والعراق، بما في
ذلك نقاط الضعف الهائلة المتمثلة في بطالة الشباب والحاجة إلى خطوات أكبر شأناً
لمكافحة الفساد الذي أصبح شعار التغيير في المنطقة. 

وأشاد أحدث تقرير لصندوق النقد الدولي عن مصر، والذي الأسبوع
الماضي بـ»برنامج الإصلاح الطموح لنمو الدولة» الذي وضعه السيسي، والذي
«نجح في تحقيق استقرار الاقتصاد الكلي، والانتعاش في النمو والعمالة، ووضع
الدين العام على مسار هبوط واضح».

الأرقام مثيرة للإعجاب. انخفض معدل البطالة خلال السنوات الأربعة
الماضية من 12.3% إلى حوالي 8% (مع انخفاض متوقع إلى 7.5% بحلول عام 2020)، وانخفض
عجز الموازنة من 10.9% من إجمالي الناتج المحلي إلى 5.6% لعامي 2019 و2020، وزاد
نمو إجمالي الناتج المحلي الفعلي من 4.1% إلى 5.9%، مع زيادة متوقعة إلى 6% بحلول
عام 2020. 

لا تزال إيرادات السياحة والتحويلات المالية، التي تخضع للتحوُّلات
في البيئة الأمنية وتقلُّبات أسعار النفط والاقتصاد الإقليمي، قوية.

حقق سجل الإصلاح في مصر في عهد السيسي نجاحاً كبيراً، وفقاً لصندوق
النقد الدولي في أبريل/نيسان، حتى أن مصر حصلت على تصنيف منخفض في مؤشر «الاضطرابات الاجتماعية» للصندوق مقارنةً
بالسودان والأردن ولبنان وتونس والجزائر. يرتبط الاضطراب الاجتماعي وفقاً لصندوق
النقد الدولي بالنمو الاقتصادي المنخفض أو الإضافي. والاقتصاد المصري ينمو. 

لذا مع كل الأخبار الجيدة، لماذا حدثت «الاضطرابات
الاجتماعية» الشهر الماضي؟ يقدِّم تقرير صندوق النقد الدولي بعض الإجابات
والرؤى المحتملة. 

أولاً، الخطوط الديموغرافية واتجاهاتها. يبلغ عدد سكان مصر حوالي 100 مليون نسمة، بمعدل نمو يقارب 2%. تقل
أعمار أكثر من النصف عن 24 عاماً، وأكثر من الثلث أقل من 14 عاماً. يقدر صندوق
النقد الدولي أن مصر تحتاج إلى توفير 3.5 مليون وظيفة جديدة خلال السنوات الخمس
القادمة -700 ألف سنوياً- بشكل أساسي من القطاع الخاص. 

ثانياً، يعتمد القطاع الخاص، الذي يمكن أن يولد النمو والوظائف المستدامة
المطلوبة، على أنظمةٍ للدعم والحد من الفساد، ولا يزال لدى مصر الكثير
لتفعله. يضيف التقرير أن «الانتقال إلى اقتصاد شفاف قائم على السوق، سيتطلب
المزيد من توسيع وتعميق الإصلاحات.. لاسيما فيما يتعلق بالمشكلات طويلة الأمد،
المتمثلة في ضعف الحوكمة والممارسات الاستغلالية، ونقاط الضعف أمام الفساد،
والحضور الثقيل للدولة في الاقتصاد». 

أما التحدي الثالث فهو أن تخفيض دعم الطاقة، المرتبط بتضخم جهاز
الحكومة وعدم الكفاءة والفساد، يأتي بتكلفة، بينما يواجه المواطنون ارتفاع أسعار
الوقود. خفض السيسي هذا الدعم على مدى السنوات الأربع الماضية، من 4.1% إلى 1.2%
من إجمالي الناتج المحلي، مع انخفاض متوقع إلى 0.4% العام المقبل. 

والتحدي الرابع هو أن الدين العام لمصر لا يزال مرتفعاً، ما يجعله
عرضةً بصورةٍ خاصة للتقلُّبات في الاقتصاد العالمي والإقليمي، خاصة تقلُّبات أسعار
النفط. 

رغم أن القمع الحكومي دَفَعَ العديد من الأحزاب العلمانية في مصر
للحد من احتجاجاتهم العامة في الوقت الحالي، ربما يكون الهدوء الحالي مجرد فترة
مؤقتة. 

ذكر مراسل موقع Al-Monitor في مصر أن الاضطرابات
«تشير إلى كسر حاجز الخوف الهائل، الذي حاول السيسي إعادته بقوة
وباستمرار، منذ توليه السلطة في منتصف عام 2014.. ويبدو أن الإجراءات القمعية نجحت
في ترويع المصريين حتى اندلاع الاحتجاجات المناهضة للحكومة في الآونة الأخيرة، وهو استعراضٌ نادر للمواجهة التي دفعت بسلسلةٍ من
التنازلات من الحكومة في الأيام الأخيرة». 

لم يمنع القمع على الإنترنت الحلول البديلة بين الشباب، الذين
يواصلون متابعة منصَّتيّ فيسبوك ويوتيوب للمقاول الساخط والممثل السابق محمد علي،
والذي تصفه صحيفة The Economist بـ «ألم السيسي في إسبانيا«. 

يبدو علي بطلاً غير محتمل للإصلاح. جوهره الأساسي هو أن الحكومة
المصرية خدعته عند الدفع مقابل عمله بعقود حكومية كبيرة. هو ليس محمد بوعزيزي،
البائع التونسي المتواضع، الذي أضرم النار في جسده رداً على المضايقات والإذلال من
قبل الحكومة في ديسمبر/كانون الأول عام 2010، والذي دق ناقوس الربيع العربي. 

كما لا يشبه عبدالوهاب الساعدي، بطل المعارك ضد تنظيم
الدولة الإسلامية والبطل في نظر المتظاهرين العراقيين، «الذي خُلِعَ بشكل غير
رسمي من منصبه في المرتبة الثانية كقائد لجهاز مكافحة الإرهاب أواخر سبتمبر/أيلول،
وأُعيد تعيينه في وظيفة عمل مكتبي» كما يزعم، وفقاً للمتظاهرين، بناءً على
طلب إيران، كما يقول مصطفى سعدون من العراق. 

ما فعله علي هو أنه مَنَحَ المتظاهرين مقطوعاتهم الموسيقية
وأناشيدهم، كما يقول حسام ربيع، مشيراً إلى موجة من الأغاني الجديدة «تعالج
قضايا مهمة للشباب: المخدرات والمثلية والمشاحنات، واستخدام القوة والسياسة. كما
يستخدمون المصطلحات الشابة مع كلمات عامية، وهو أمر غير شائع في الأنواع الأخرى من
الأغاني. نظراً لمحتواها ولغتها، حظيت هذه الأغاني بشعبية في المهرجانات الخفية
والتجمعات السياسية». وتكافح الحكومة المصرية، إذ تجند مطربيها وموسيقييها ضد
نتائج معاكسة. 

قال وزير الخارجية المصري سامح شكري الشهر الماضي، سبتمبر/أيلول:
«تمر مصر بنفسها بمرحلة انتقالية طويلة الأجل، ولدينا قضايا يجب العمل عليها
-اقتصادية واجتماعية- بعضها نتيجة للماضي. لذا أعتقد أننا ملتزمون بتصحيح أي أوجه
قصور، ولا أعتقد أن أي دولة يمكنها القول أنها حققت أهدافاً كاملة في جميع
المجالات.. لكن أعتقد أنه يجب عليك دائماً تناول الصورة الشاملة لماهية الوضع في
مصر، وإلى أي مدى يتوافق مع ذلك، ومدى رضا الغالبية العظمى من
المصريين». 

يشير تقرير صندوق النقد الدولي والاحتجاجات الأخيرة إلى أن الإصلاحات
الاقتصادية ربما لا تكون كافية، في غياب التزام دائم بالإصلاح ومكافحة الفساد.
المطالب الديموغرافية لعدد متزايد من السكان الذين يحتاجون إلى وظائف، وشعار جديد
لمكافحة الفساد، ليست فقط فريدة من نوعها لمصر، نحن بحاجة للالتفات إلى العراق، كما تناولنا هنا الأسبوع الماضي. 

كتبنا من قبل في أغسطس/آب، أن مصر مهمة الآن أكثر من أي وقت مضى، وأن
«الشراكة الأمريكية المصرية أمر حيوي لأجندة إقليمية، ويجب معالجة حقوق
الإنسان مثل الأمن الإقليمي، باعتباره أساس تلك الشراكة». يحتاج الإصلاح
الاقتصادي إلى تكملة سياسية، ويمكن لواشنطن أن تدعم القاهرة في هذا المسار، بينما
تقدم المشورة لضبط النفس في استخدام القوة ضد أولئك الذين يكافحون من خلال
«انتقال طويل الأجل». 

المصدر

المقال يعبر عن رأي الكاتب ولايعبر بالضرورة عن رأي فريق الآحرار نيوز

شاهد أيضاً

لماذا لا تكفي الإصلاحات الاقتصادية في مصر لإرضاء الشارع؟

لا عودة إلى الوضع الذي كان قائماً.. احتجاجات العراق أخطر تحدٍّ للنظام المفروض منذ عام 2003

تمثل الانتفاضة الجارية في العراق أخطر تحدٍّ برز حتى الآن في مواجهة النظام السياسي القائم …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.